الأدباء والتقنية

الأدباء والتقنية


منذ دخول التقنية وافدا جديدا في حياة الأدباء وهي تمثل هاجسا ملحا؛ بعضه يتشاءم من حضوره القوي وبعضه الآخر يتفاءل بشدة نحو ما يمكن أن تصنعه بالنص وكاتبه. ومن أمثلة وجود هذا الهاجس هو ما طرح من أوراق في مؤتمر الأدباء السعوديين الرابع الذي أقيم في المدينة المنورة، حيث خصص للتقنية وأثرها في الأدب محورا طرح من خلاله عدد من الباحثين رؤيتهم تجاه أثرها في الأدب بكل أجناسه. والتقنية حسب المصطلح، هي المعرفة بالآلة التي يتم بها الاستخدام والصناعة. بذلك تكون الآلة الكاتبة من التقنية، وإن كانت من التقنية غير الحديثة. فالجميع يتحدث عن أثر التلقي وصناعة الكتابة، من حيث إن الكتابة نتيجة للوسائل الحديثة أصبحت أكثر تقشفا من حيث المعنى والمبنى، أو إن للمتلقي سلطة على النص كسرت بالوسائل الحديثة، وأصبح الحديث يطول أو يقصر عن الأدب التفاعلي، وهو الأدب الذي ينسج بالتفاعل مع القارئ.

لكن كل ما نسمعه من أثر للتقنية في الأدب هو استشراف لما يمكن أن يكون لا لما هو كائن الآن. فيبدو إن ما يكتب من أدب في وسائل التواصل الاجتماعي، وما يدور حوله من نقاش، إنما شراب قديم في كؤوس جديدة. وهذا الأمر ليس بالجديد في التقنية فله أمثلة كثيرة في مجالات غير الأدب. فشركة جارتنر للاستشارات تقدم ما يسمى بنموذج الضجيج لاستشراف أثر التقنية في المجتمع. يقضي هذا النموذج أن كل تقنية تمر بمراحل خمس، تمثل برسم بياني يبدأ بخط مستو صغير ثم يبدأ في الصعود حتى يصل إلى القمة ثم يبدأ في الانحدار، وقبل أن يصل إلى القاع يرتفع مرة أخرى متجها نحو خط بياني متوسط هو أعلى من الخط الأول وأقل من القمة. ففي المرحلة الأولى تبدأ شرارة التقنية بحيث ينتشر الاستخدام على نطاق واسع تصاعديا حتى يصل إلى المرحلة الثانية. في المرحلة الثانية يصل مستخدم التقنية إلى سقف التوقعات المتضخمة نتيجة لنجاحات أولية تعزز الثقة في أثر التقنية وتعمق من الإيمان فيها. بعد أن يصل سقف التوقعات إلى أقصاه، ينحدر المنحنى إلى أن يصل إلى مرحلة ما يسمى بحوض خيبة الأمل. في هذه المرحلة تبدأ التقنية بمواجهة صعوبات جدية نتيجة لتوسع التجربة، بحيث يصدم المستخدم بحقائق تخالف الآمال المعلقة في بدء التجربة حتى يتم مقاومة هذه الإشارات المخيبة من خلال عدد من المجموعات التي تصلح مشكلات التقنية حتى تثمر هذه الجهود في الانتقال إلى المرحلة الرابعة التي تدعى مرتفع التنوير. في مرحلة مرتفع التنوير تتم برهنة نجاح التقنية وأثرها في المجتمع مع عدد يتصاعد من المستخدمين حتى يصل إلى مرحلة النضج، التي تسمى هضبة الإنتاج. في هذه المرحلة الخامسة، يتم قبول التقنية بما لها من مشكلات تمت معالجتها، وتم التخلي عن كثير من الأوهام الأولى عن أثر هذه التقنية في المجتمع أفرادا ومؤسسات، بحيث يتم استخدامها بوعي أكبر.

مما يبدو لي أن ما يتم تداوله حاليا حول أثر تقنيات الشبكة ومواقع التواصل الاجتماعي يمثل مرحلة نحو الصعود إلى قمة سقف التوقعات المتضخمة. حيث يبدو إن كثيرا من الأدباء والناقدين في حماس لاستخدام التقنية في صناعة الأدب والحديث عن دورها في تغيير الذوق الأدبي وطريقة تلقي النصوص، إلى ما هنالك من توقعات تتضخم شيئا فشيئا حتى تصل إلى سقفها المتوقع. لكن بين فترة الصعود والوصول إلى القمة ربما سنوات من المداولة والمشاهدة قبل تلمس أثر التقنية في صناعة الأدب. لعل هذه الصناعة القائمة على شحذ اللغة بمبرد الذهن الحاد تنجو من التغير الكبير الذي يتوقعه البعض عندما ينحدر منحنى الضجيج بسرعة ليستقر في حوض خيبة الأمل.

Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

عدد المقيّمين 0 وإجمالي التقييمات 0

1 2 3 4 5

أضف تعليقك على الموضوع

code
||