موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من الشعر
- القسم الاسلامي
- 3/11/2013
- 7683
- منقول للفائده
كره قوم الشعر، وبالغوا في كراهيته؛ حتى حكي عن بعض الزهاء أنه كان لا يتمثل ببيت شعر، ولما سئل عن ذلك قال: لا أحب أن أرى في صحيفتي يوم القيامة بيت شعر.
واستشهدوا بحديث عجيب: من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة تلك الليلة.
يقول الحافظ بن كثير في تفسيره العظيم: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.
وأورد الأديب الأريب مصطفى صادق الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن" قولا نسبه للرسول –صلى الله عليه وسلم- وهو: لما نشأت.. بغضت إلى الأوثان، وبغض إلى الشعر.
وهو قول لا أصل له، ولا سند.
ولعل السبب في ذلك –من كراهيتهم للشعر- راجع إلى ما ورد في القرآن الكريم، وفي الأحاديث النبوية من ذم للشعر، ثم موقف النبي –صلى الله عليه وسلم- نفسه من الشعر.
والواقع.. أن الشعر كما قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: الشعر كلام.. فحسنه حسن، ورديئه رديء، فخذ الحسن واترك الرديء.
فإذا ذُمَّ وجب أن نبحث عن وجه الذم؛ لذلك وضع الشيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" ثلاثة أوجه لذم الشعر؛ وهي:
الأول: أن يُذَم الشعر من حيث المضمون. أي: من حيث ما يتضمنه من فُحش ونُبوء عما تقتضيه الأخلاق.
الثاني: أن يُذَم من حيث الوزن والقافية. وهذه ناحية صناعية.
الثالث: أن يُذَم لاعتبارات تتصل بالشاعر.
وإذا نظرنا إلى الآيات التي وردت في ذم الشعر والشعراء، وكذلك الأحاديث.. لوجدنا أن في الأمر شبهة فهم.
فقول الله –عز وجل- في سورة الشعراء: " وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ". هذا تكذيب للمشركين الذين زعموا أن القرآن شعر. والدليل على ذلك: قوله تعالى في آخر الآية: " إن هو إلا ذكر وقرآن مبين "، فالحديث عن القرآن، ونفي الشعر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نفي للشعر عن القرآن؛ لأن الرسول إذا لم يكن شاعرا فمحال أن يكون القرآن الذي جاء به شعرا.
فالمقصود بها.. شعراء المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وينالون صحابته بالأذى؛ بدليل الاستثناء بعد ذلك: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا "، والمراد بهم: شعراء الرسول الذين انتصروا له وللإسلام، وأجابوا شعراء المشركين عنه.
وأما قوله تعالى في سورة يس: " وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ". ذكر العلماء أن الله تعالى منع نبيه من قول الشعر؛ حتى لا يشتبه القرآن بالشعر؛ وحتى لا يجد الطاعنون مجالا للطعن حين يسمعون القرآن.
فهذا المنع –كما يقول عبد القاهر- ليس منع تنزيه أو كراهة؛ وإلا لكان ينبغي له أن ينزه سمعه عن كلامهم الموزون كما نزه لسانه؛ بل هذا المنع لأمر يتعلق بالمعجزة. هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية.. فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد استمع إلى الشعر، وأثنى عليه، وردد بعضه..
ويقول أستاذنا الدكتور إبراهيم الخولي: لقد صُرف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الشعر بقدر إلهي "وما علمناه الشعر"؛ بحيث لو أراد ما تسهل له "وما ينبغي له"؛ مع أنه –صلى الله عليه وسلم- لم يكن عاجزا عن قول الشعر؛ بل كانت الأداة فيه تامة كاملة؛ ولو قال الشعر لكان مبرزاً فيه؛ بل كان أشعر الخلق على الإطلاق.. كيف لا؟! وقد أوتي جوامع الكلم، وروائع البيان، وكان أفصح العرب لساناً، وأقومهم بيانا.اهـ.
وأما الحديث الذي جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- في ذم الشعر: ( لأن يمتليء جوف أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتليء شعرا ). رواه البخاري في باب الأدب، ومسلم في باب الشعر. فقد حمله الشافعي –رحمه الله- على الشعر المشتمل على الفحش. وهذا أحد الأجوبة.
وهناك جواب ثان: وهو أن أكثر العلماء حملوا الوعيد على ما إذا غلب عليه الشعر، وملك نفسه؛ حتى اشتغل به عن القرآن والفقه في الدين ونحوهما؛ ولذلك ذكر الامتلاء.
ويوضح صاحب "نقد النثر" هذا الجواب فيقول: إن المعقول من معنى "الامتلاء" أن يشغل المالئ بشيء جميع أجزائه؛ حتى لا يكون فيها فضل لغيره؛ وإن كان هذا هكذا.. فإنما أراد النبي –صلى الله عليه وسلم- بهذا القول من امتلاء جوفه من الشعر حتى لا يكون فيه موضع للذكر، ولا لحفظ القرآن، ولا لعلم الشرائع والأحكام والسنة في الحلال والحرام. اهـ.
إذاً.. يمكن أن نقول: إن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يكن يكره الشعر؛ بل كان يحب أن يستمع إليه ويطلب من أصحابه أن ينشدوه، فقد ورد أنه قال لحسان بن ثابت –رضي الله عنه-: " أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية؛ فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته " فأنشده قصيدة للأعشى.
وروي عن عائشة –رضي الله عنها- أنها قالت: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كثيراً ما يقول: " أبياتك"، فأقول:
ارفع ضعيفك لا يحربك ضعفه
يوما فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وأن من
أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
وقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن عمر بن الشريد عن أبيه أنه قال: أستنشدني رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته؛ حتى انشدته مائة قافية.
وذكر ابن كثير في تفسيره أن بعض الصحابة أنشد النبي –صلى الله عليه وسلم- مائة بيت، يقول –عليه الصلاة والسلام- عقب كل بيت: "هيه". يستزيده، فيزيده.
وروي أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- مر بحسان بن ثابت وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال –منكراً عليه-: ارغاء كرغاء البكر؟!. فقال حسان: دعني عنك يا عمر.. إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك، فلا يغير على ذلك. فقال عمر: صدقت.
ومما يدل على علمه –صلى الله عليه وسلم- بالشعر ما روى الزبير بن بكار قال: مر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ومعه أبو بكر –رضي الله عنه- برجل يقول في بعض أزقة مكة:
يأيها الرجل المحول رحله
هلا نزلت بآل عبد الدار
فقال النبي –عليه الصلاة والسلام- : " يا أبا بكر.. هكذا قال الشاعر؟!" قال: لا يا رسول الله؛ ولكنه قال:
يأيها الرجل المحول رحله
هلا سألت عن آل عبد مناف
فقال رسول الله: " هكذا كنا نسمعها".
*****
المصادر
بلاغة الرسول – العلامة الأستاذ الدكتور على محمد حسن العماري.
إعجاز القرآن – الأديب الأريب مصطفى صادق الرافعي.
دلائل الإعجاز – الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني.
محاضرات في دلائل الإعجاز – الأستاذ الدكتور إبراهيم الخولي.
تفسير القرآن العظيم – الحافظ ابن كثير.





أضف تعليقك على الموضوع