دول مجلس التعاون وأزمة اللغة العربية
- القسم العام
- 20/9/2012
- 1592
- كلمة الاقتصادية
كل الأطراف المعنية (أو المرتبطة) بتعليم (أو توصيل) اللغة العربية، مسؤولة، بشكل أو آخر عن التراجع المخيف لهذه اللغة في أوساط العرب، وعن ''جودة'' التعاطي معها، ليس فقط عند التلاميذ والطلاب، بل أيضاً عند مصادر مختلفة، من المفترض أنها جزء من الأرضية التي تستند إليها عملية تطوير وتوصيل اللغة. المدرسة، الإعلام، المؤسسات التي توفر فرص عمل، المسؤولون السياسيون، وحتى الأغلبية العظمى من مراكز حماية اللغة العربية.. أثرت سلباً فيها، لرفضها عمليات التطوير الحتمية للغة (أي لغة). بل إن بعض هذه المراكز لم يستوعب آليات التطوير نفسها، بما في ذلك رفضها القاطع لإدخال مفردات جديدة، وتخفيف بعض المفردات التي تبدو ثقيلة على حراك العصر لغوياً.
في ثمانينيات القرن الماضي، هدّدت جامعة ''أوكسفورد'' البريطانية الشهيرة، برفع دعوى قضائية ضد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ألكسندر هيج، بسبب أخطائه اللغوية العديدة في تصريحاته السياسية الكثيرة. كان تهديداً رمزياً من الجامعة، من أجل لفت الأنظار، إلى ضرورة الالتزام بالحد الأدنى من جودة اللغة الإنجليزية، خصوصاً لدى السياسيين الذين يظهرون أكثر من غيرهم على وسائل الإعلام. فالجامعة لم تطلب أن يتحول هيج إلى شكسبير العصر، بل إلى احترام اللغة. وعند العرب هناك أكثر من ''هيج'' لغوي. علينا فقط أن نمر يومياً وبصورة سريعة على شاشات التلفزيونات العربية، لنتابع ''بلاغة'' رفع المنصوب، وخفض المرفوع، وجمع المفرد، وتنوين الساكن!
لا شك في أن تفعيل جهود القائمين على التعليم في دول الخليج العربية، من أجل تطوير اللغة العربية ومناهجها، وتحسين أساليب التعليم على مستوى المدارس، يمثل أهمية كبيرة في الحفاظ على واحدة من أجمل (وأقدس) لغات العالم. فالعولمة الطبيعية (لا المصطنعة)، تفرض هذا الحراك، بتطويع اللغة لا هدمها. واللغة الإنجليزية الأولى في العالم، لم تصل إلى مركزها هذا، إلا بمرونتها وقبولها التطوير والتطويع. فعندما لم يعثر - على سبيل المثال - القائمون على معجم أوكسفورد اللغوي، ترجمة واقعية بليغة لكلمة ''انتفاضة''، أضافوها إلى صفحاته. لم يشعر هؤلاء ''بخيانة'' لهذه اللغة. وفي فرنسا، التي تعتبر لغتها ''مقدسة'' لا تمس، قبلت في العقد الماضي، أن تضيف نصوصاً كاملة باللغة الإنجليزية إلى مناهج التعليم الفرنسية، التي يستدعي تطويرها استعمال هذه اللغة، لكنها في الوقت نفسه، حفظت لغتها من أي تأثيرات سلبية.
وعلى هذا الأساس، فمهمة وزراء التعليم الخليجيين ليست سهلة، خصوصاً في ظل التسيب اللغوي الكبير الذي بدأ في المنطقة منذ قرابة عقدين من الزمن، ولا سيما مع انتشار لا حدود له للمدارس والجامعات الأجنبية في كل دول الخليج. هذا الانتشار لم يكن سيئاً على المستوى العلمي بالطبع، ولكنه كان سلبياً على اللغة العربية، بصورة خطيرة واضحة. وقد انعكس هذا الأمر على صعيد التوظيف في دول الخليج، الذي لم يوازي بين التمكن من اللغتين في توفير منح فرص العمل. ستكون الاختبارات الخاصة بقياس مستوى القراءة والكتابة في دول مجلس التعاون الخليجي، التي سيطرحها وزراء التعليم في اجتماعهم المقبل، ذات أهمية كبيرة، لأنها سوف تحدد مستويات اللغة العربية في أوساط التلاميذ والطلبة، الذين يستسهلون اللغة الإنجليزية التي دخلوا في ''كنفها'' بشكل شبه كامل. ولكيلا نظلمهم، فإن اللغة الغربية لم توفر لهم مفردات طيعة ومتطورة، ليس فقط على الصعيد العملي، ولكن على صعيد التواصل الاجتماعي فيما بينهم، خصوصاً بعدما أصبح العالم الافتراضي جزءاً أصيلاً من العالم اليومي لهؤلاء.
إنها عملية صعبة، قد تستغرق جيلاً كاملاً من الزمن، للوصول إلى نتائج تحفظ لغة العرب والإسلام، وتتناغم مع اللغة العالمية بشكل عام





أضف تعليقك على الموضوع