الوهم
- القسم العام
- 28/1/2013
- 1675
من اقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
يحمل الرجلان المتكافئان في القوة الحمل الواحد ، فيشكو هذا ويتذمر ، فكأنَّه حمل حملين ، ويضحك هذا ويغنِّي ، فكأنَّه ما حمل شيئًا
ويمرض الرجلان المتعادلان في الجسم المرض الواحد ، فيتشاءم هذا ، ويخاف ، ويتصور الموت ، فيكون مع المرض على نفسه ، فلا ينجو منه ، ويصبر هذا ويتفاءل ويتخيل الصحة ، فتسرع إليه ، ويسرع إليها
ويُحكم على الرجلين بالموت ، فيجزع هذا ، ويفزع ، فيموت ألف مرة من قبل الممات ، ويملك ذلك أمره ويحكِّم فكره ، فإذا لم تُنجه من الموت حيلته لم يقتله قبل الموت وَهْمُه
وهذا (بسمارك) رجل الدم والحديد ، وعبقري الحرب والسِّلْم ، لم يكن يصبر عن التدخين دقيقةً واحدة، وكان لا يفتأ يوقد الدخينة من الدخينة نهاره كله فإذا افتقدها خلَّ فكرُه ، وساء تدبيره
وكان يومًا في حرب ، فنظر فلم يجد معه إلا دخينة واحدة ، لم يصل إلى غيرها ، فأخَّرها إلى اللحظة التي يشتدُّ عليه فيها الضيق ويعظم الهمُّ ، وبقي أسبوعًا كاملًا من غير دخان ، صابرًا عنه أملًا بهذه الدخينة ، فلمَّا رأى ذلك ترك التدخين ، وانصرف عنه ، لأنه أبى أن تكون سعادته مرهونة بلفافة تبغ واحدة
وهذا العلامة المؤرخ الشيخ الخضري أصيب في أواخر عمره بتَوَهُّمِ أن في أمعائه ثعبانًا ، فراجع الأطباء ، وسأل الحكماء ، فكانوا يدارون الضحك حياءاً منه ، ويخبرونه أن الأمعاء قد يسكنها الدود ، ولكن لا تقطنها الثعابين ، فلا يصدق ، حتى وصل إلى طبيب حاذق بالطب ، بصير بالنفسيات ، قد سَمِع بقصته، فسقاه مُسَهِّلًا وأدخله المستراح ، وكان وضع له ثعبانًا فلما رآه أشرق وجهه ، ونشط جسمه ، وأحسَّ بالعافية ، ونزل يقفز قفزًا، وكان قد صعد متحاملًا على نفسه يلهث إعياءاً ، ويئنُّ ويتوجَّع ، ولم يمرض بعد ذلك أبدًا
ما شفِي الشيخ لأنَّ ثعبانًا كان في بطنه ونَزَل ، بل لأن ثعبانًا كان في رأسه وطار، لأنه أيقظ قوى نفسه التي كانت نائمة ، وإن في النفس الإنسانية لَقُوًى إذا عرفتم كيف تفيدون منها صنعت لكم العجائب
تنام هذه القوى، فيوقظها الخوف أو الفرح ؛ ألَمْ يتفق لواحد منكم أن أصبح مريضًا، خامل الجسد ، واهِيَ العزم لا يستطيع أن ينقلب من جنب إلى جنب ، فرأى حيَّة تقبل عليه ، ولم يجد مَنْ يدفعها عنه ، فوثب من الفراش وثبًا ، كأنَّه لم يكن المريض الواهن الجسم ؟ أو رجع إلى داره العصر وهو ساغب لاغب ، قد هَدَّه الجوع والتعب ، لا يبتغي إلا كُرْسِيًّا يطرح نفسه عليه ، فوجد برقية من حبيب له أنه قادم الساعة من سفره ، أو كتابًا مستعجلًا من الوزير يدعوه إليه ؛ ليرقي درجته ، فأحسَّ الخفة والشبع، وعدا عدوًا إلى المحطة ، أو إلى مقرِّ الوزير؟





أضف تعليقك على الموضوع