(ملهّي الرعيان)

(ملهّي الرعيان)

 

سعد .. رجل مهذب ويحمل بين جوانحه قلب أبيض من الشاش ، وهو في متوسط العمر

، فله تجارب كثيرة وذكريات جميلة في بداية العُمر ، فقد رعى الغنم مدة طويلة وكان منزله مع اهله في (دارة) سقوفها مكون من سعف النخل ، وبابها من الخشب القديم ، وهي لاتخفى عليكم جميعا ، ورغم شظف المعيشة والشقاء في تلك الايام ، الا انها لازالت عالقة في ذهنه ويتمنى ان تعود به السنين والاشهر الى الماضي الجميل الذي يغلب فيه طيبة القلوب وبساطة الناس ..

في وادي الجايزة وعندما أشرقت شمس الصباح ، وبدأت اشعتها تمتزج مع جمال تلك الجبال الشامخة ومع صفاء ذلك (النجل) الجاري المحفوف بالأثل ، ومع تلك (الجلّة) المائل لونها الى البياض ، ومع ذلك النخيل والسدور التي يكتظ بها المكان ، ينادي (الشيبة) ابنه سعد لكي يذهب بـ (الحلال) المكون من الغنم والضأن الى المراعي ، فينطلق بنشاط وحيوية غير مبال ولا متأفف ، بل هو في غاية السعادة ، فالتجول بين جنبات ذلك الوادي لايشعرك بـ (الاكتئاب) بل فيه متنزّه للنفس . ولما كان سعد يتجول في رحاب تلك الاماكن يلهو تارة ويسترخي تارة ، حتى شاهد (ملهّي الرعيان) _وهو طائر معروف_ على احدى الصخور ، فلفت انتباهه ، وظل يتابع تحركاته من مكان إلى مكان تاركا (الحلال) وراءه وهو لايشعر بذلك ، فلم ينتبه الا بعد حين ، وحينها تذكر (الحلال) وعاد مسرعا ولكنه لم يجده
وعلم أنه عاد إلى (المدْور) . فعلم بأن هذا الخطأ سيكون ثمنه غاليا ، فلقد أغضب والديه الآن وهذا يعني بأنهما في انتظاره لينال العقاب المناسب ، فاتجه الى (الدار) فلما أشرف من مكان مرتفع إذ بوالدته تناديه وتسأله _وهي تعلم ان الحلال قد عاد_ ولكن سعد لم يستطع الاجابة فعلم بأن العقاب واقع لامحالة...

قررت والدته أن تعاقبه جزاء له على هذا الاستهتار ، فأمرته بالاتجاه إلى (الركيب) لكي يحل محل أخاه الكبير هناك الذي كان (يورع) ويمنع الدواب والطير من المساس بـ (العيش) ، فبقي سعد هناك ومعه احدى بنات القبيلة من جيرانه ، فهي أيضا (تورع) على (ركيب) آخر ، ولما اشتد النهار وتناصفت الشمس في كبد السماء وصل شقيق سعد الصغير وهو يحمل بين يديه (حلّة) فيها غداء لسعد (والبُنيَة) التي في الجوار ، ولكن سعد وقتها كان مثقل بالجوع ، وكانت تلك الفتاة ضخمة الجثة ، ففكر في حيلة
بحيث يأكل الغداء بمفرده ، ولما جلسا للاكل ، واستدارت تلك الفتاة بحيث يكون اتجاه الركيب الى الخلف ، قال : الله ياذيك الشاة العفراء اللي انتزت من فوق (الزابن) جوف ركيبكم . ففزت تلك المسكينة وانطلقت لكي تخرجها ولم تعلم بأنها خدعة ، ولما وصلت وبحثت بين اغصان (العيش) لم تجدها ، فقررت العودة ، فصاح سعد وقال : آي هي بدت من وراك ورجعت ، فعادت المسكينة للمرة الثانية ولكنها لم تجدها فقررت العودة بلا تراجع .

وصلت فوجدت القدر (صفّيح ملّيح) ، فطقت (العايط) وعادت الى اهل سعد وهي تجهش بالبكاء
فأخبرتهم بالقصة ، فغضبوا من تصرفه ، وقرروا ان يكون العقاب الثاني أشد وأطغى ، فلما اقترب المغرب وإذ به يتجه الى الدار ، (فبدا) له والده من (اعلى الصافح) وقال : والله ان حق من لعوسك بذاك (الكوفية) الين يخرج مافي بطنك ، انقلع دور لك محل . فعلم سعد بالأمر ، ولكنه كان يخشى المبيت في الوادي او على سفح الجبل ، فالمكان مظلم ولايوجد نور ، وليس هناك سوى الوحوش
الضارية والليل الخرمس ، (فظهر) على احدى الصخور في مكان ما بعيد عن الدار ، وبقي هناك بلا نوم ولا راحة ، وماهي الا سويعات حتى (احسّ) بصوت رجل قادم ، فاستطلع فإذا هو احد اقاربه واسمه _غفير_ ، قادم من اضم ومتجه الى الى منزله وكان راكبا على جمل ومعه الكثير من الذرة والدخن والتمر ، فانطلق سعد للقائه ، فعسى ان يجد له حلا غير ذلك المكان الموحش ، فرحب به غفير اجمل ترحيب وبعد ان سمع قصته وعده بأن يكلم (الشيبة) لكي يسامحه على تقصيره ، ففعل ذلك وصادف منه رحابة صدر ، وتقديرا لوصوله قرر العفو والصفح عن ابنه، فعاد سعد وهو فرح ومسرور ووعد بعدم تكرار ذلك مستقبلا ، فطلب منه والده ان يقوم الى (المدْور) ليختار (ذبيحة سمينة) لإكرام ضيفهم غفير ، فامتثل للامر وانطلق وهو ممنون لذلك الرجل الرائع الذي أخرجه من ظلمات الليل المبهم الى الدار المنعمة بنور (القازة) .

تلك ايام قد خلت ، ولكن ذكرياتها الجميلة لم تغب عن ذهن سعد وامثاله لحظة واحدة ، فما اجملها من ايام وما أحلاها من ذكريات ، فهل لديكم قصص مثل الذي لسعد؟ فأنا في غاية الشوق لقرائتها والاستمتاع بتفاصيلها . وإلى ملتقى قريب يجمعنا بكم في قصة أخرى تقبلوا مني اجزل تحية وتقدير .


مع تحيات
صقر تهامه

 

 

Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

عدد المقيّمين 1 وإجمالي التقييمات 1

1 2 3 4 5

أضف تعليقك على الموضوع

code
||