المدلسون
- مقالات ومقابلات صحفيه منقوله
- 20/11/2016
- 1437
- منقول للكاتب مشعل السديري - صحيفة الشرق الاوسط
المدلسون
تنافست الصحف الفرنسية فيما بينها على مقالات الكاتب الكبير (ألكسندر ديماس)، بعد أن رأت رواج أي جريدة يكتب فيها هذا المؤلف المشهور، وأخذت الصحف تغالي في الأجور التي تعرضها عليه، إلى درجة أن إحدى الصحف عرضت عليه أن يكتب لها وأن تدفع له أجره على أساس سعر الكلمة.
ولكنه رفض وطلب منهم أن يحاسبوه على السطر، ووافق رئيس التحرير واعتبر ذلك كرمًا من الكاتب، الذي عمد إلى الإفاضة والاسترسال في مقالاته بكل خبث، فأكثر بقدر ما يستطيع من عدد الأسطر، وقلل من عدد الكلمات.
وعلى سبيل المثال، فمن نماذج ما يكتب في مقالاته هذا الحوار الذي جاء على النحو التالي:
- حسنًا، ما وراءك؟
- لا شيء..
- لا شيء؟؟
- نعم لا شيء.
- كيف؟
- لا شيء.. ألم أقل لك؟
- مستحيل..
- لماذا.. ألم أقل لك؟
- هل أنت متأكد؟
- طبعًا..
- هذا كثير!
- ولكن هذا هو الواقع!
وعندما بدأ (ديماس) يكتب بهذه الطريقة المختزلة العجيبة، أسقط في يد صاحب الجريدة، والمشكلة لو أنهم فسخوا العقد معه لكبدتهم المحكمة أموالاً طائلة. واستمر (ديماس) يتقاضى عن السطر الواحد مبلغًا كبيرًا، حتى لو كتب فيه كلمة واحدة.
وفي بدايات تعبثي بالكتابة في السبعينات الميلادية، طلبت مني هيئة الإذاعة أن أكتب فقرة في برنامج صباحي، على ألا يقل الموضوع عن خمسة عشر سطرًا، لقاء (75) ريالاً في اليوم الواحد، ومعنى ذلك أنني سوف أتقاضى في الشهر (2225) ريالاً، فكدت أطير من الفرح، خصوصًا إذا عرفتم أن قيمة قطعة الأرض في حي (السلامة) بجدة كانت في ذلك الوقت لا تزيد على ألفي ريال.
غير أن طمعي، أو خيبتي بمعنى أصح، جعلني أوعز لمن يطبع فقراتي أن يمط بالكلمات بقدر ما يستطيع، بحيث إن عدد الكلمات في السطر الواحد لا تزيد على ست كلمات بدلاً من (15) كلمة. واستمررت على هذا المنوال، غير أن القائمين على البرنامج ضاقوا ذرعًا من أسلوبي ذاك، وقدموا شكوى ضدي لرئيس هيئة الإذاعة.
وفي ثالث أسبوع وقبل أن أنهي الشهر، وإذا بخطاب حاسم يأتي من الرئيس بالاستغناء عني، وأتت في حيثيات الخطاب جملة لا يمكن أن أنساها، وهي بالحرف الواحد: هذا (مدلس) وليس بكاتب.





أضف تعليقك على الموضوع