قصيدة المناسبة
- الشعر الشعبي والنبطي والفصيح
- 27/7/2012
- 1813
- منقول للكاتب جاسم الصحيح- اليوم
أعتقد أنَّ كلّ كتابة هي - في الأصل- من أجل الناس فلا يمكن أن نكتب من أجل الكتابة فقط، وعندما تكون هناك مناسبةٌ ما فأنا أعلم أنّ الناس الذين أكتب من أجلهم سوف يكونون على مسافةِ مقاعد معدودة منِّي، ولا بدَّ أن أملأ هذه المسافة بالشوق إلى الإصغاء والمتعة. هذا الأمر يضعني أمام عدَّة تحدِّيات تبدأ من جهلي بمستوى الجمهور الثقافي وذائقته الفنيَّة، ولا تنتهي عند مدى استعدادي للتنازل عن المستوى الفني للقصيدة.
بين فكَّيْ هذه الكمَّاشة أبقى حائرا طوال الكتابة، ولكنَّ ما يعزِّز انحيازي إلى الرقيِّ بالقصيدة إلى أعلى مستوى ممكن هو ثقتي بأذواق الناس وقدرتـهم على الوعي، عكس ما يعتقده البعض من أنَّ الذوق الشعري العامّ هو في حالة انـهيار.
الكتابة الشعرية في المناسبات لا تتعارض مع الابداع ولا تصطدم بالرقيِّ الفني، ولكن يجب على الشاعر أن يحسن كيف يتناول المناسبة تناولاً شعريًّا بعيدا عن الاستسلام لـها .المناسبة بالنسبة لـي أفقٌ رحبٌ أحاول أن أطلق أجنحتي عبر امتداداته، وربَّما استطعتُ أن أُوَسِّعَهُ وأن أضيفَ إلى أبعاده أبعادا جديدة من إيحاءاته. وعندما أُدعى إلى مناسبة ما وأكون مقتنعاً بالمشاركة فيها (القناعة عنصر من عناصر صناعة القصيدة المناسباتيَّة لا يمكن الاستغناء عنه) ، يـمتلئ بـها وجدانـي وأبدأُ بالتعامل معها على أنـها حالةٌ شعريّةٌ خالصة، فتنسابُ بـها أحاسيسي وتتدفَّق في مجرى أحداثها وتشقُّ ممرَّات خفيَّة في أعماقها كي تستخرج ما يمكن استخراجه من كنوز تلك الأعماق. إنَّ شعوري بأنني أعيش حالةً شعريةً يجعلني مقيماً داخل نصِّي طوال فترة كتابة النصّ.. فلا أفكِّر إلا في الشعر وكيفيَّة الحفر في منجم تلك الحالة للوصول إلى أبجدية الذَّهَبِ الذي أبـحث عنه. إضافةً إلى ذلك، لديَّ إيمانٌ كبير بأنّ الشعر عمليةُ مقاومة للفناء، وكلَّما ازدادت جماليَّةُ الكتابة ازدادت مقاومتُها واقتربتْ من فوزها بتاج الخلود، وهذا الإيمان يجعلُني أجتهدُ أكثر في صناعة النصّ من إكسير الجمال، ولكن ليس على حساب المناسبة بالطبع وإنما بالتعاون معها واستلهامها من جميع الجهات الممكنة. وهناك مناسبات عديدة تلتقي في جوهرها معي في هواجس شخصية وهموم ذاتية فأكتب عنها وكأنني أعبِّر عن ذاتـي الفردية وليس عن ذات جماعية. في الختام، أعود وأؤكِّد على أنَّ الكتابة الشعرية في المناسبات لا تتعارض مع الإبداع ولا تصطدم بالرقيِّ الفني، ولكن يجب على الشاعر أن يحسن كيف يتناول المناسبة تناولاً شعريًّا بعيدا عن الاستسلام لـها والركون إلى ظواهرها، وإنما يجب أن يحرث أعماقها ويتعامل معها على أنـها أرضٌ بكرٌ ذاتُ خصوبةٍ وافرةٍ يـمكن لـها عبر الحرث والاستصلاح أن تعطي ثمرا جنيًّا.





أضف تعليقك على الموضوع