أعلام بجيلة في الإسلام

أعلام بجيلة في الإسلام

 

أعلام بجيلة في الإسلام

1 – جـريـر
جرير بن عبد الله بن جابر البجلي : فاتح خانقين وحلوان وقرقسيس وهمذان . قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم ثبته وأجعله هادياً مهدياً .

أ- كيف كان إسلام جرير ؟ :
يدخل جرير البجلي الإسلام من باب جميل اسمه حسن الأدب أو نقول اسمه حسن الذوق ولا عجب فهو رجل منّ الله عليه بجمال واضح من الخلق (بفتح الخاء) وحسن السمت ووسامة في المظهر فشاء سبحانه وتعالى أن يعطينا من خلاله درساً في جمال الأدب وحسن الذوق ورقة المعاملة جاء جرير إلى مجلس رسول الله ? ولم يكن أسلم بعد، جاء بنفسه ينظر ويسمع ويسال ويتحقق فلقد بلغه عن هذا النبي أشياء وأنباء واختلف الناس في شأنه بين مصدق ومتردد ومشكك ومكذب وفي كل يوم يزيد المصدقون ويستيقن المشككون ويقل المكذبون، وجرير وهو سيد قومه يأتيه من أهله وعشيرته من يسأله أن يستشيره أو يحدثه عن محمد وما يدعو إليه محمد.
فليذهب بنفسه إلى هذا الذي يزعم أنه نبي فليس من رأي كمن سمع. أول ما يفاجأ أبو عمرو جرير في مجلس النبي ? ببساطة تحوطها السكينة ويخيم عليها الجلال والوقار وفي لحظة خاطفة وما زال جرير واقفاً لم يجلس بعد يخيب ظنه ولعله كان يرجوا أن يخيب هذا الظن وزال شكه ولعل كان يأمل أن يزول: فهذا (الرجل) كما يزعمون لم يطلب لنفسه ملكاً ولا يضمر كسباً من مال أو زعامة ولا أبهة وينظر جرير في الجالسين بحثاً عن مكان مناسب لسيد القبيلة يكون قريباً من النبي ? فلا يجد فالمسلمون متلاصقون في خشوع لا يكادون يشعرون بوجوه وحتى إذا شعروا به فإن النبي ? علمهم ألا يقفوا لمقدم أحد وأن القادم يجلس حيث ينتهي به الصف أو المجلس وقد فعل هو ? ذلك من قبل ولما كان المكان مكتظاً فقد جلس جرير على عتبة الباب ورآه النبي ? من مكانه في صدر المجلس فخلع بردته ولفها ثم ألقها إلى جرير وهو يقول (إجلس على هذا).
مفاجأة ثانية كأنها الصدمة المنبهة وكأن النبي ? وهو يلقي إليه ببردته الشريفة على ملأ من الجالسين إنما وجه إلى قلبه ووجدانه (قذيفة) من نور بددت كل ظلمات الشك والإحجام والتردد في نفسه دفعة واحدة فأخذ جرير البردة ووضعها على وجهه وقبلها وبكى ثم ردها إلى النبي ? وهو يقول: ما كنت لأجلس على ثوبك، أكرمك الله كما أكرمتني.
درس كبير – ويا له من درس. لكن الدرس لم ينته بعد إذ نظر النبي ? بميناً وشمالاً كأنه يلفت نظر الجالسين وينبه من ورائهم الغافلين ثم يقول: (إذا أتاكم كريم قوم... فأكرموه).

ب – وقت إسلامه:
اختلف في وقت إسلامه ، فهناك من يذكر أنه أسلم قبل أربعين يوما من وفاة النبي ? وهذا خطأ لما ثبت في الصحيحين: البخاري ومسلم، إن النبي ? قال له: (استنصت الناس) في حجة الوداع وذلك قبل التحاق الرسول ? بالرفيق الأعلى بأكثر من ثمانين يوماً.
وجزم الواقدي: بأنه وفد على النبي صلى ? في شهر رمضان سنة عشر للهجرة، وهذا خطأ أيضاً لأن جريراً يروي أنه سمع الرسول ? ينعي النجاشي وهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر للهجرة.
والصحيح أن إسلامه كان سنة تسع للهجرة وهي سنة الوفود ، لقد كان جرير موضع ثقة النبي ? قال جرير: ( ما حجبني رسول الله ? من أسلمت ولا رآني إلا ضحك ، وأرسله النبي ? ليهدم (ذا الخلصة) وهو من الأصنام البيضاء منقوش عليها التاج، وكان (بتبالة) بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن ، وذا الخلصة أيضاً الذي فيه هذا الصنم بيت كان يطلق عليه في الجاهلية اسم الكعبة اليمانية فسار إليه اجرير على رأس مائة وخمسين فارساً فهدم الصنم والبيت وحرقها وعاد سالماً فدعا له النبي ? وأرسله النبي ? إلى اليمن يقاتلهم ويدعوهم إلى الإسلام ، فقد بعثه النبي ? إلى ذي الكلاع ابن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع وإلى ذي عمرو ويدعوهما للإسلام فأسلما وأسلمت ضريبة بنت أبرهة امرأة ذي الكلاع وتوفي رسول الله ? وجرير عندهم فأخبره ذو عمرو بوفاته ? فخرج جرير إلى المدينة.

ج – جهاده وقومه بجيلة لمحاربة المرتدين من أهل اليمن:
عاد جرير إلى المدينة وأخبر أبا بكر بارتداد من ارتد من أهل اليمن عن دينه وبثبات من ثبت عليه، لكن أبا بكر رد جريراً إلى اليمن ليصمد مع الثابتين على دينهم من قبيلة بجيلة تجاه تيار المرتدين الجارف والشد من عزائم المسلمين القليلين لمشاغله المرتدين الكثر حتى تردهم النجدات، فخرج جرير ونفذ أمر أبي بكر، فلم يصادف مقاومة تذكر إلا من نفر قتلهم وطاردهم ، فلما وصل المهاجر بن أمية اليمن من عند أبي بكر – وكان آخر من تحرك من المدينة لحرب المرتدين – حتى حاذى جريراً ضمه إليه ، وكان جرير حينذاك ينجران ، فقاتل جرير وأتباعه أهل الردة تحت لواء المهاجر بن أمية فسار من نصر إلى صنعاء.
لقد ثبت جرير بالرغم من ارتداد معظم قومه (بجيلة) فكان ثباته ذا أثر كبير على إعادة بجيلة للإسلام ومن العوامل المهمة لانتصار المسلمين السريع الحاسم على المرتدين من أهل اليمن.

د – طلب جرير من أبي بكر رضي الله عنه جمع بجيلة:
وسار جرير يجاهد تحت لواء خالد بن سعيد في أرض الشام ولكنه أستأذن خالداً إلى أبي بكر ليكلمه في جمع قومه (بجيلة) وكانوا أوزاعاً في العرب، فلما سمع أبو بكر حديث غضب عليه وقال له: (ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الأسدين: فارس الروم: ثم أنت تكلفني التشاغل بما لا يغني عما هو أرض لله ورسوله! دعني وسر نحو خالد ابن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجهين فسار جرير حتى قدم على خالد بالحيرة بعد فتحها ولم يشهد شيئاً من قبلها بالعراق .

هـ - جرير يشهد كافة معارك خالد بن الوليد:
ولما غادر خالد بن الوليد العراق إلى الشام استصحب معه جريراً، فشهد معارك خالد كافة في طريقه إلى الشام وفي معركة اليرموك برز اسم جرير أحد الفدائيين الفرسان من المهاجرين والأنصار، وهم مائة فارس انتخبهم خالد من بين جيش المسلمين كله، كل فارس يرد جيشاً وحده( )، للتأثير بهم على معنويات الروم قبيل معركة اليرموك الحاسمة.

و – عمر يأمر بجيلة بالتوجه إلى الشام:
وبلغ عمر بن الخطاب نتائج معركة (الجسر) في العراق واستشهاد أبي عبيدة الثقفي وصحبه فيها، فندب الناس إلى المثنى بن حارثة الشيباني، وكان فيمن ندب (بجيلة) في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام فأخرجوه إلى جرير .
وتجمعت بجيلة وعلى رأسها جرير، فقال له عمر: (أخرج حتى تلحق بالمثنى) فقال جرير (بل الشام)، فقال عمر: (بل العراق: فإن أهل الشام قد قووا على عدوهم)، وجعل عمر لجرير وقومه ربع خمس ما أفاء الله عليهم في غزواتهم .
ورأى ما صنع ببجيلة فحذوا حذوهم، وكان الذين فروا من معركة (الجسر) في مقدمتهم، ثم تابعهم بنو الأزد وبنو كنانة وخلق كثير من مختلف القبائل وساروا يريدون العراق ، وقاتل جرير وقومه تحت راية المثنى بن حارثة الشيباني القوات الفارسية في معركة (البويب)، أول معركة حاسمة من معارك المسلمين في العراق.

ز – بجيلة تتابع الفرس في مواطنها:
ولما انهزم الفرس قال المثنى: (من يتبع الناس)؟ فقام جرير في قومه، فقال: ( يا معشر بجيلة إنكم وجميع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخمس غداً من النفل مثل الذي لكم منه ولكم ربع خمسه نفلاً من أمير المؤمنين، فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه ونية إلى ما ترجون، فإنما تنتظرون إحدى الحسنين: الشهادة أو الجنة، أو الغنيمة والجنة) ، وهكذا تطوعت بجيلة بقيادة جرير لمطاردة الفرس وأرسل جرير يخبر المثنى بسلامة بجيلة كما أخبر القادة الآخرون الذين طاردا الفرس بسلامة قواتهم، وسألوه جميعاً التغلغل عمقاً في مطاردتهم فأذن لهم المثنى فأغاروا حتى بلغوا (ساباط) على مرأى من المدائن لا يخافون كيداً ولا يلقون مانعاً
ولما انسحب المثنى بقواته إلى (ذي قار) انتظاراً للإمدادات، كان جرير على رأس بجيلة يقوم بواجب القوات السائرة التي تحمي قوات المسلمين الأصلية من قوات الفرس المتفرقة.

ح – أثر بجيلة في انتصار المسلمين في حرب القادسية:
وتولى سعد بن أبي وقاص قيادة المسلمين في العراق، فقاتلت بجيلة التي يقدر عددها بألفي مقاتل( ) تحت راية سعد في القادسية فكان لجرير ولبجيلة أثر ظاهر في الانتصار على الفرس في هذه المعركة الحاسمة.
كان سعد مريضاً بالدمامل عندما كانت رحى معركة القادسية تدور، ولكن رجاله لم يكونوا يعملون بحقيقة مرضه الذي أقعهد عن مباشرة القتال بنفسه كما يفعل قادة العرب في حروبهم ليكونوا مثالاً شخصياً يحتذى بهم، لذلك تذمر بعض رجال سعد ومن بينهم جرير وأبو محجن الثقفي، فلما عرفوا أن المرض حال دون مباشرة سعد للقتال بنفسه قبلوا عذره وتحاثوا على السمع والطاعة، وقال جرير: (أما أني بايعت رسول الله ? على أن أسمع وأطيع لمن ولاه الله الأمر، وإن كان عبداً حبشياً) .

ط – الفيلة تحاصر مواقع بجيلة:
وفي اليوم الأول من أيام القادسية وجه الفرس ثلاثة عشر فيلاً وفي رواية أخرى ستة عشر فيلاً إلى مواقع بجيلة ففرقت بين الكتائب وأذعرت الخيل وكادت بجيلة أن تفنى عن بكرة أبيها بعد فرار خيلها ذعراً من الفيلة، ولكن الرجالة (المشاة) منها صمدوا في مواقعهم صمود الأبطال وأعانهم على الصمود تدارك سعد لهم ببني أسد الذي هاجموا الفيلة وحماتها عنيفاً بقيادة طليحة الأسدي فاستطاعوا بمعاونة ربيعة بقيادة الأشعث بن قيس بعد جهد جهيد أن يولوا الفيلة والقوات الفارسية التي تساندها الأدبار .
وتركت بجيلة كثيراً من الشهداء في ساحة المعركة ولكن صمودها المدهش أتاح للمسلمين تدارك الموقف الخطير الذي كان نتيجتها هجوم فيلة الفرس على قواتهم.
وفي ليلة اليوم الرابع من أيام القادسية (ليلة الهرير) حملت بجيلة على القوات الفارسية مع من حملت عليها من القبائل غير منتظرة أمر سعد بالحملة.

ي – سعد بن أبي وقاص يدعو لبجيلة وينشد شعر:
فعذرها سعد قائلاً: (اللهم أغفر لهم وأنصرهم) ، فقضوا في تلك الليلة على عدد ضخم من الفرس، وفي بلاء بجيلة بقيادة جرير قال سعد:
وما أرجو بجيلة غير أني
أؤمل أجرهم يوم الحساب
فقد لقيت خيولهم خيولاً
وقد وقع الفوارس في ضراب
ولقد دلفت بعرصتهم فيول
كأن زهاءها إبل جراب
وكان سعد في شعره هذا يرد على قول جرير:

أنا جرير كنيتي أبو عمرو
قد نصر الله وسعد في القصر

ك – جرير يفتح خانقين وحلوان وقرميسين:
وشهد جرير مع قومه معركة فتح (المدائن) عاصمة كسرى كما شهد معركة جولاء تحت رأية هاشم بن عبتة بن أبي وقاص الزهري فما استطاع المسلمون القضاء على القوات الفارسية في (جولاء) فضم هاشم إلى بجيلة خيلاً كثيفة وجعلهم بقيادة جرير وأبقاهم قوة ساترة في جولاء لتكون بين المسلمين والفرس فهاجم جرير خانقين وكان فيها فلول من الفرس فقتل بعضهم وفر الباقي ، وأمد سعد جريراً بنحو ثلاثة آلاف مقاتل وأمره أن يسير لفتح حلوان ، فلما كان بالقرب منها هرب (يزدجر) إلى (أصفهان) ففتح جرير حلوان صلحاً، ثم سار إلى (قرميسين) ففتحها صلحاً أيضاً، وبقى جرير والياً على حلوان حتى أمره عمار بن ياسر الي الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، أن يتحرك مدداً لأبي موسى الأشعري في (خوزستان)، فغادرها جرير مخلفاً عليها عزره بن قيس البجلي وقد نزل حلوان قوم من ولد جرير فأعقابهم بها .

ل – معركة نهاوند ودور جرير فيها:
وبرز اسم جرير في معركة (نهاوند) الحاسمة فكان من بين أشراف العرب وأبطالهم المعدودين الذين خاضوا تلك المعركة تحت لواء النعمان بن مقرن المزني، فأبلى جرير في هذه المعركة أعظم البلاء.
وكان عمر بن الخطاب قد كتب إلى النعمان بن مقرن: (إن أصبت فالأمير حذيفة بن اليمان، فإن أصيب فجرير ابن عبد الله البجلي، فإن أصيب فالمغيرة بن شعبة ثم الأشعث بن قيس) مما يدل على منزلته الرفيعة عند عمر بن الخطاب وفي رواية أن المغيرة بن شعبه حين كان والياً على الكوفة أرسل جريراً لفتح (همذان) فقاتل أهلها وأصيبت عينه بسهم فيها فقال (أحتسبتها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله) ثم على مثل صلح نهاوند وغلب على أرضها قسراً .

م – نهاية المطاف:
سكن جرير الكوفة وابتنى بها داراً في القسم المخصص منها لسكنى بجيلة( ) قوم جرير.
ولقد ولاه عثمان بن عفان رضي الله عنه (قرقيسياء)( ) وبقى عليها( ) حتى توفى عثمان ، وفي رواية أخرى أن عثمان ولاه (همذان) فبقى والياً عليها حتى استدعاه علي بن أبي طالب بعد منصرف علي من البصرة إلى الكوفة وفراغه من معركة الجمل، لذلك لم يشهد جرير تلك المعركة.
غادر جرير همذان بعد أخذ البيعة من أهلها لعلي بن أبي طالب فلما وصل الكوفة أرسله علي إلى معاوية بن أبي سفيان يدعوه إلى الدخول في طاعته وكتب معه كتاباً يعلم فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار.
وانتهى جرير إلى معاوية فكلمه ووعظه وألح عليه في الكلام والوعظ، ولكن معاوية جعل يسمع منه ولا يقول له شيئاً وإنما يطاوله ويسرف في مطاولته ويدعو مع ذلك وجوه أهل الشام وقادة الجيش مظهراً مشورتهم فيما يطلب إليه علي بن أبي طالب ويعظم لهم قتل عثمان ويحرضهم على المطالبة بدمه.. وأخيراً عاد جرير إلى الكوفة ليخبر علياً خبر معاوية واجتماع الشام معه على قتاله.. فلم يرضى علي عن سفارة جرير، كما أن جماعة من أصحاب علي على رأسهم الأشتر النخعي أسمعوا جريراً بعض ما يكره فغضب جرير وارتحل بأهله إلى قرقيسياء معتزلاً الفريقين .
وفي معركة صفين بين علي ومعاوية، انقسمت القبائل العربية على نفسهان فكان مع الطرفين قسم من كل قبيلة عدا بجيلة، فقد كانت كلها مع علي بن أبي طالب ولم يشهد أحد هذه المعركة مع قوات معاوية( ) وهذا يثبت أن جرير اعتزل الطرفين ولم يلتحق بمعاوية كما يزعم بعض الرواة، وباعتزال جرير انتهت حياته العامة وافاه الأجل سنة إحدى وخمسين .

ن – جرير الإنسان:
كان سيد قومه في الجاهلية وفي الإسلام قال النبي ? لما دخل عليه جرير: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرمون) .
وقال عمر بن الخطاب: (ما زلت شريفاً في الجاهلية والإسلام) ( ) وكان مؤمناً حقاً، لم يبذل ولم يغير منذ آمن بالله ورسوله، وقد أخلص للدعوة مجاهداً وداعياً وسهر على مصالح رعيته حين أصبح والياً فلما نشب القتال بين المسلمين أيام الفتنة الكبرى لم يلطخ يده ولا ضميره بدنس بل سعى جاهداً لجمع كلمة المسلمين، فلما أخفق في مهمته ترك الدنيا وما فيها واعتزل الفتن منزوياً في عقر داره (قرقيسياء) وكان شاعراً خطيباً لسناً قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عند سعد بن أبي وقاص، فقال له: (كيف تركت سعداً في ولايته؟)، فقال: (تركته أكرم الناس مقدرة، وأحسنهم معذرة هو لهم كالأم البرة، يجمع لهم كما تجمع الذرة ، مع أنه ميمون الأثر، مرزوق الظفر أشد الناس عند البأس، وأحب قريش إلى الناس) . قال عمر: (فأخبرني عن حال الناس) فقال جرير: (هم كسهام الجعبة، ومنها القائم الرائش ، ومنها العضل الطائش، وابن أبي وقاص ثقافها يغمز عضلها ويقيم ميلها، والله أعلم بالسرائر يا عمر!) قال: (أخبرني عن إسلامهم)، قال: (يقيمون الصلاة لأوقاتها ويؤتون الطاعة لولاتها) فقال عمر (الحمد لله إذا كانت الصلاة أوتيت الزكاة وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة) وجرير هو القائل: (الخرس خير من الخلابة، والبكم خير من البذاءة) .
وكان ذكياً محدثاً عالماً بأمور دينه فقيهاً: وروى مائة حديث عن رسول الله ? كما عده العلماء من أهل الفتيا البارزين .
وكان كيساً عاقلاً وجد عمر بن الخطاب في مجلسه رائحة في بعض جلسائه، حيث قال عمر: (وعزمت علي صاحب هذه الرائحة إلا قام فتوضأ!) فقال جرير: (علينا كلنا يا أمير المؤمنين فأعزم!) فقال عمر (عليكم كلكم عزمت) ثم قال (يا جرير! ما زلت سيداً في الجاهلية والإسلام) .
وكان آلفاً مألوفاً: أحبه النبي ? وأحبه أصحابه وكان علي بن أبي طالب يقول (جرير منا آل البيت) وبلغ مقدار حبه لقومه (بجيلة) أن حصل على وعد من الرسول ? أن يجمعهم له وكانوا أشتاتاً بين القبائل العربية، فاستنجز أبا بكر هذا الوعد إلا أن ظروفه لم تساعده على إنجازه، فطالب عمر بن الخطاب بإنجازه فجمعهم وسيرهم إلى العراق بأمرته القتال الفرس.
وكان يثق بنفسه ويعرف لها قدرها ولا يتخلى عن حق من حقوقها. أراد عمر بن الخطاب أن يؤمر عرفجة بن هرثمة البارقي على بجيلة ليسيرهم إلى العراق فغضب جرير وقال لبجيلة (كلموا أمير المؤمنين) فقالوا لعمر: (استعملت علينا رجلاً ليس منا!) فأرسل إلى عرفجة وقال له: (ما يقول هؤلاء) قال: (صدقوا يا أمير المؤمنين! لست منهم ولكني من الأزد كنا أصبنا في الجاهلية دماً من قومنا فلحقنا ببجيلة فبلغنا ببجيلة فبلغنا فيهم من السؤدد ما بلغك)، فقال عمر: (فأثبت على منزلتك فدافعهم كما يدافعونك) فقال: (لست فاعلاً ولا سائراً معهم) فأمر عمر جريراً على بجيلة وسار معهم إلى العراق . وكان كريماً شهماً إن شجاعاً وفياً جمع صفات العربي الأصيل وزاد عليها خلق المسلم، فلا عجب إن كان نموذجاً كاملاً للمؤمن المجاهد الصابر المحتسب الذي بذل غاية جهده لخدمة عقيدته وقومه في السلم والحرب ولا عجب أن يستحوذ على إعجاب الناس بمزاياه، فيقول فيه أحد الشعراء مردداً صدى إعجاب الناس بسجاياه الكريمة:


لولا جرير هلكت بجيلة=نعم الفتى ونسب القبيلة

وقد كان جرير جميل الصورة ، قال عمر بن الخطاب عنه: (جرير يوسف هذه الأمة وهو سيد قومه) وكان طويل القامة يخضب بالصفرة أعور ذهبت عينه في (همذان).

س – جرير القائد:
لمسنا بوضوح في مزايا جرير الشخصية بعض الصفات التي تؤهله لتولي قيادة الرجال في أخطر المواقف وأحرج الظروف لهو كريم النسب عقائدي شجاع مقدام ذكي، لذلك أمره الرسول القائد في حياته حين وجهه لتحطيم صنم (ذي الخلصة) هذا الواجب الذي لم يكن سهلاً في تلك الأيام وخاصة وأن جذور الشرك لم تكن قد اجتثت تماماً من اصولها، وإن المشركين كانوا يسترخصون أرواحهم وأموالهم في سبيل الذود عن أصنامهم لهذا لم يوجه الرسول ? لمثل هذه الواجبات غير الصفوة من أصحاب أمثال علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وجرير، ولقد كانت له قابلية فائقة على إعطاء القرار السريع الصحيح، شجاعاً مقداماً صبوراً ذا إرادة قوية راسخة، يتحمل مسئولية كاملة بلا تردد بل كان حريصاً غاية الحرص على تحمل مسئوليته كاملة ولا يتهرب منها خوفاً وجزعاً، له نفسية لا تتبدل في حالتي النصر والاندحار وفي حالتي الرخاء والشدة عرف نفسيات رجاله وقابلياتهم ويثق بهم ويثقون به ويبادلهم حباً بحب وإخلاص بإخلاص، له شخصية نافذة وقابلية بدنية ممتازة ومارض ناصع مجيد.

ع – جرير في التاريخ:
يذكر التاريخ في ناحيتين، عقيدته الراسخة وجهاده العظيم يذكر عقيدته التي لم تتبدل أبداً منذ إسلامه فقد ثبت على عقيدته منذ إسلامه شامخاً كالطود حين ارتد كثير من الناس واعتزل الفتن حيث اشترك فيها كثير من الناس وبقي في كل حياته مخلصاً لعقيدته لا يتزحزح عنها قيد أنملة طلباً لمغنم أو هرباً من مغرم، وبذلك كان النموذج الرائع للعقائدي الذي يحيا ويموت من أجل عقيدته.
ويذكر التاريخ له جهاده الفذ لأجل إعلاء كلمة الله ولا تزال آثار فتوحاته باقية في حلوان وخانقين وقرميسين وهمذان منذ الفتح الإسلامي قبل حوالي أربعة عشر قرناً حتى اليوم.

إن التاريخ لا ينسى جريراً وأمثاله من قادة الفتح ولكن هل يذكره العرب والمسلمون؟ رضي الله عن هذا الصحابي الجيل، القائد الفاتح المحدث الفقيه جرير بن عبد الله البجلي

 

Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

عدد المقيّمين 0 وإجمالي التقييمات 0

1 2 3 4 5

أضف تعليقك على الموضوع

code
||